عبد الملك الثعالبي النيسابوري
279
يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر
واستخرجه طلبي ، ولما خذلته أنصاره ، وقطعته أرحامه ، وقعدت عنه أشياعه ، أوليته من حمايتي عضدا . ومن عنايتي مددا ، وجدته أمد يدا من باعه ، وأبسط قعودا من قيامه ، مكن موضع رجلك قبل مشيك . وتأمل عاقبة فعلك قبل سعيك . عصارة لؤم في قرارة خبث ، غصن مهصور بالموت ، معصور بالتراب ، قد خفف همه بالشكوى ، وحل حزنه بالبكاء كما حذيت النعل بالنعل ، وقد الشراك على المثل ، يعدل عن النص إلى الخرص ، وعن الحس إلى الهجس . في حكمه صارم فصل ، وفي يده خاتم عدل ، سديد المذاهب ، سعيد المناقب ، نجيح المطالب . دلاه في خطر ، وأسلمه إلى غرر . لا زلت في إقامة ممهدة الحشايا . وحركة وطيئة المطايا . دفعه إلى شفير ، وأطلعه على حقير . استدعى حضوري خاليا ، واستدنى مجلسي مكرما ، واستوفى مقالي مصغيا ، وأعطاني معروفه مسمحا ، ونزل على مسألتي مسهلا ، وقضى حاجتي مجملا ، وصرفني بالنجاح عجلا . طيب المغرس ، زاكي المنبت ، نضير المنشأ ، رفيع الفرع ، لذيذ الثمر . متقلب بين استقبال شباب ، واستقلال حال . وشرخ قصف ، وفتاء ظرف . وجدت فيه مصطنعا ، وبه مستمتعا ، قد وفر همه على مطعم يجوده . ومرقد يمهده . أنا أتذمم من استئصال مثلك ، وأهب جرمك لفضلك . من ضاف الأسد قراه أظفاره ، ومن حرك الدهر أراه اقتداره ، وجدت فيه مع علو سنه ، وأخذ الأيام من جسمه بقية حسنة . ومتعة حلوة ، التصرف أسنى وأعلى ، والتسيم أعفى وأصفى ، ومهما اخترت من الأمرين أمرا فعنايتي تحرسك فيه ، ونظري يمكنك منه ، لو لم يكن في تهجين الرأي المفرد ، وتبيين عجز التدبير الأوحد ، إلا أن الاستلقاح - وهو أصل كل شيء - لا يكون إلا بين اثنين وأكثر الطيبات أقسام تجمع وأوصاف تؤلف . * * *